السامري/ الطفل الذي رباه جبريل ثم كفر
تعرف على قصة الطفل الذي رباه جبريل ثم كفر
الطفل الذي رباه جبريل ثم كفر، قصة تحمل العديد من العبر والدروس، حيث تعد واحدة من القصص الغريبة التي وردت في القرآن الكريم، فقد نشأ هذا الطفل في ظروف استثنائية، ورُبِّي على يد ملك من الملائكة، وهو جبريل عليه السلام، ورغم هذه النشأة الطيبة إلا أنه انتهى إلى طريق الضلال والكفر، ليصبح مصدر فتنة لقومه.
هذه القصة تطرح تساؤلات عدة حول طبيعة الهداية والضلال، وكيف أن الشخص مهما كانت نشأته يظل أمام اختبار الإرادة والاختيار بين الحق والباطل، وفي هذا المقال، سنتعرف على تفاصيل هذه القصة، ونستعرض كيف تمكن الشيطان من دفع هذا الطفل إلى الكفر رغم تربيته تحت رعاية جبريل عليه السلام، فتابعوا معنا القراءة.
الطفل الذي رباه جبريل ثم كفر
وُلد السامري، واسمه الحقيقي موسى بن ظفر في عام كان فرعون يأمر فيه بقتل كل مولود ذكر من بني إسرائيل خوفًا من تزايد عددهم وتهديد حكمه، فخافت أمه عليه من القتل، وخبأته في كهف بعيد عن أعين جنود فرعون، وفي هذا الكهف تولى الله رعايته بإرسال جبريل عليه السلام ليغذيه ويرعاه، ويُروى أن جبريل عليه السلام كان يضع إصبعه في فم السامري، فيتغذى الطفل من عسل ولبن، وذلك جعله ينمو بصحة جيدة رغم الظروف الصعبة.
نتيجةً لهذه الرعاية الإلهية المباشرة نشأ السامري وهو يمتلك قدرة فريدة على رؤية ما لا يراه الآخرون، وعندما كبر وشهد معجزة شق البحر على يد نبي الله موسى عليه السلام، رأى جبريل عليه السلام يقود الفرس الذي تسبب في هذه المعجزة، وبدافع الفضول والإعجاب أخذ السامري قبضة من أثر حافر الفرس معتقدًا أن لهذا الأثر قوة خاصة.
السامري وفتنة العجل الذهبي
بعد نجاة بني إسرائيل من فرعون وعبورهم البحر ذهب موسى عليه السلام للقاء ربه وتلقي الألواح، وفي غيابه استغل السامري هذا الوضع، وصنع لبني إسرائيل عجلًا من الذهب مستخدمًا القبضة التي أخذها من أثر جبريل عليه السلام، وأقنعهم بأن هذا العجل هو إلههم وإله موسى، ودعاهم لعبادته، وللأسف استجاب كثير من بني إسرائيل لدعوته وعبدوا العجل، وذلك أدى إلى فتنة عظيمة بينهم.
عند عودة موسى عليه السلام ورؤيته لما حدث غضب بشدة وواجه السامري بسؤاله عن سبب فعلته، فأجاب السامري بأنه رأى ما لم يره الآخرون، وأخذ قبضة من أثر الرسول (جبريل) وألقاها على العجل، وهكذا سولت له نفسه، وأدرك موسى خطورة فعل السامري وأمر بنفيه وعزله عن القوم، كما حرق العجل وذر رماده في البحر.
اللافت في القصة هو أن السامري لم يُقتل، بل فُرض عليه العزلة، فلم يعد يستطيع لمس أحد أو لمسه أي شخص، وكان كأنه مصاب بمرض لا مساس فيه بأحد.
هل ذُكر السامري في القرآن الكريم؟
ذُكر السامري في القرآن الكريم في سورة طه، حيث وردت قصته مع صناعة العجل الذهبي وفتنة بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر، وجاء ذلك في سياق الحديث عن غياب موسى عليه السلام عندما ذهب للقاء ربه، وكيف استغل السامري هذا الغياب لإضلال بني إسرائيل.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ قَالَ هُمْ أُو۟لَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَٰنَ أَسِفًۭا قَالَ يَٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًۭا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِى قَالُوا۟ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًۭا مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًۭا جَسَدًۭا لَّهُۥ خُوَارٌۭ فَقَالُوا۟ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًۭا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَٰرُونُ مِن قَبْلُ يَٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوٓا۟ أَمْرِى قَالُوا۟ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا۟ أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٓ إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَٰسَٰمِرِىُّ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا۟ بِهِۦ فَقَبَضْتُ قَبْضَةًۭ مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًۭا لَّن تُخْلَفَهُۥ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًۭا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًۭا ﴾ (سورة طه، الآيات 83-97).
التشابه بين قصة السامري وقصة نبي الله موسى عليه السلام
نجد أن كلا من السامري ونبي الله موسى عليه السلام نجا من القتل في طفولتهما، فكلاهما كانا مهددين بالقتل من جنود فرعون بعد ولادتهما مثلهما مثل أي مولد ذكر سيولد في ذلك الوقت.
نجا موسى عليه السلام بأمر الله عندما أوحى الله إلى أمه أن تلقيه في اليم، فالتقطه آل فرعون وتربى في قصر فرعون، أما السامري نجا عندما خبأته أمه في كهف بعيد، وقيل إنه تربى برعاية جبريل عليه السلام، الذي كان يُطعمه ويهتم به.
كلاهما كانا ضمن بني إسرائيل الذين خرجوا من مصر، وعايشا معجزة شق البحر وهلاك فرعون، لكن موسى كان قائدهم بأمر الله، بينما السامري كان واحدًا من القوم، لكنه حمل في داخله بذور الفتنة.
موسى عليه السلام كلمه الله مباشرةً وكُلف بالرسالة، وكان جبريل يأتيه بالوحي من الله، أما السامري قد رأى جبريل عليه السلام عندما لم يستطع غيره رؤيته، لكنه استغل هذه الرؤية في طريق الضلال.
جاء موسى عليه السلام ليهدي بني إسرائيل إلى التوحيد ويبعدهم عن الوثنية، أما السامري أضل بني إسرائيل وصنع لهم العجل الذهبي الذي عبدوه من دون الله.
أوجه الاختلاف بين السامري وموسى عليه السلام
موسى عليه السلام كان نبيًا اختاره الله ليخرج بني إسرائيل من العبودية ويهديهم إلى التوحيد، أما السامري كان شخصًا مضلِّلًا، استغل ذكاءه ومكانته لإغواء الناس وصنع الفتنة بينهم.
رغم أن كليهما نشأ في بيئة مليئة بالمعجزات الإلهية، إلا أن موسى آمن وسار على الصراط المستقيم، بينما انحرف السامري عن الطريق الحق، وازداد موسى يقينًا بالله بعد المعجزات التي رآها، بينما السامري استغل ما شاهده لصنع فتنة وعبادة وثن جديد.
الدروس المستفادة من قصة الطفل الذي رباه جبريل ثم كفر
- تُظهر القصة أن الإنسان مهما كانت نشأته وظروفه يمتلك حرية الاختيار بين الحق والباطل، وهو مسؤول عن قراراته وأفعاله.
- تُبرز القصة كيف يمكن للفتن أن تضلل الناس وتبعدهم عن عبادة الله الواحد، خاصةً عندما يفتقدون القيادة الرشيدة.
- تُشير القصة إلى دور القائد في توجيه الأمة، وكيف يمكن لغيابه أن يؤدي إلى انحراف الناس ووقوعهم في الضلال.
- تُحذر القصة من خطورة اتباع الهوى والاعتماد على الرؤى الشخصية دون الرجوع إلى الوحي والتوجيه الإلهي.
- الإيمان لا يعتمد فقط على رؤية المعجزات، بل على يقين القلب بالله.
- الفتن تبدأ أحيانًا من شخص واحد، لكن تأثيرها قد يكون مدمرًا للأمة بأكملها.
- العقوبة الدنيوية قد تكون الطرد والنبذ، لكن العقوبة الأخروية أشد وأعظم.
- العبادة الحقيقية هي الإيمان بالله، وليس التصديق بالخرافات والأساطير.
في الختام، الطفل الذي رباه جبريل ثم كفر، تظل قصته واحدة من أكثر القصص التي تحمل دروسًا عميقة في التاريخ، فمن خلال نشأته تحت رعاية جبريل عليه السلام كان من المفترض أن يكون هذا الطفل نموذجًا للهدى والتقوى، ولكن كما تُظهر القصة، فإن الإنسان لا يُقاس بعلاقته بمن يحيطون به أو بتربيته فقط، بل بإرادته واختياره في النهاية، فالسياق الديني والتربوي ليس هو العامل الوحيد في تشكيل مصير الإنسان، بل هو اختياره للحق أو الباطل في اختبار الحياة.
من خلال هذه القصة تعلمنا أن الهداية من الله وحده، وأن الإنسان مهما كانت ظروفه وتربيته، فإنه يجب أن يتحلى بالعزم والإرادة ليظل ثابتًا على الحق، فحتى لو كان قد تربى تحت أفضل الأيدي، كما في حالة السامري، يبقى مصيره في يديه، ويجب علينا جميعًا الثبات على الإيمان وألا نغتر بالظروف، بل أن نختار دائمًا الطريق المستقيم الذي يرضي الله.
المصدر