حكم التسبيح بالسبحة، الذكر من أعظم العبادات التي تقرب العبد من الله سبحانه وتعالى، وهو عبادة سهلة اللفظ عظيمة الأجر، وقد حث القرآن الكريم والسنة النبوية على الإكثار منه في جميع الأحوال، ولما كان الذكر يتكرر مرات عديدة، ابتكر الناس وسائل تساعدهم على ضبط العد، فكانت السبحة من بين هذه الوسائل التي انتشرت بين المسلمين على مر العصور، ولكن هل التسبيح بالسبحة مشروع في الإسلام؟ وهل له أصل في السنة؟ وما موقف العلماء من استخدامها؟ هذا ما سنفصله في هذا المقال بالأدلة الشرعية، فتابعوا القراءة.
حكم التسبيح بالسبحة في الإسلام
مشروعية الذكر في الإسلام
قبل الخوض في مسألة التسبيح بالسبحة، لا بد من التأكيد على أن الذكر عبادة عظيمة حث عليها القرآن والسنة، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا” (سورة الأحزاب، الآيات 41-42).
كما ثبت عن النبي ﷺ أنه كان كثير الذكر، وكان يحث أصحابه عليه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أن رسول الله ﷺ قال: “سبق المفردون.” قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات” (رواه مسلم).
طرق الصحابة والسلف في عد الأذكار
من المتفق عليه أن النبي ﷺ لم يكن يستخدم السبحة في ذكره، لكنه كان يعقد التسبيح على أصابعه، كما ورد في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: “رأيت النبي ﷺ يعقد التسبيح بيمينه” (رواه أبو داود وصححه الألباني).
وكان بعض الصحابة يستعملون الحصى أو النوى في عد الأذكار، ومنهم أم المؤمنين صفية بنت حيي رضي الله عنها، فقد ورد أنها كانت تسبِّح بنوى أو حصى، كما روى الإمام البيهقي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه دخل على امرأة ومعها حصى تسبِّح به، فلم ينكر عليها، ويدل ذلك على أن عد الذكر بوسيلة معينة كان معروفًا عند الصحابة، ولم يكن محل إنكار، ويعني ذلك أن الأصل في الأمر هو الجواز.
نشأة السبحة واستخدامها في الإسلام
يعود استخدام السبحة كأداة لضبط الأذكار إلى العصور الإسلامية المبكرة، لكنها لم تكن شائعة بين الصحابة، بل انتشرت أكثر في العصور التالية، خصوصًا عند الصوفية والزهاد الذين كانوا يحرصون على الإكثار من الذكر، وقد ورد أن بعض التابعين والعلماء استخدموها، ومنهم الإمام الحسن البصري رحمه الله.
حكم التسبيح بالسبحة عند العلماء
اختلف الفقهاء في حكم التسبيح بالسبحة على ثلاثة أقوال رئيسية:
القول الأول: الجواز والاستحباب
ذهب جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والمالكية إلى أن التسبيح بالسبحة جائز، بل مستحب أحيانًا إذا كان يعين العبد على الذكر، واستدلوا على ذلك بالآتي:
إقرار النبي ﷺ للصحابة الذين استخدموا الحصى والنوى في التسبيح، ولم ينكر عليهم ذلك، مما يدل على جواز استخدام أي وسيلة تعين على الذكر.
عموم الأدلة الواردة في فضل الذكر دون تقييد بوسيلة معينة مثل قوله ﷺ: “من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة، غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر” (متفق عليه).
وكذلك عمل بعض السلف الصالح بالسبحة دون إنكار، كما نُقل عن الإمام الحسن البصري وغيره.
القول الثاني: الجواز مع الكراهة
ذهب بعض العلماء إلى أن التسبيح بالسبحة جائز لكنه مكروه، لأن الأولى هو اتباع سنة النبي ﷺ في التسبيح بالأصابع، استنادًا إلى حديث النبي ﷺ: “اعقدنَّ بالأنامل فإنهنَّ مسؤولات مستنطقات” (رواه أبو داود وصححه الألباني)، ورأوا أن التسبيح بالأصابع هو الأصل، والسبحة وسيلة مستحدثة قد تشغل القلب عن روح الذكر.
القول الثالث: المنع والتحريم
ذهب بعض أهل العلم، وخصوصًا بعض علماء السلفية، إلى أن التسبيح بالسبحة بدعة غير مشروعة، لأن النبي ﷺ لم يستخدمها، ولم يُنقل عن الخلفاء الراشدين أنهم فعلوا ذلك، واستدلوا بحديث النبي ﷺ: “إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة” (رواه أبو داود وصححه الألباني)، لكن هذا الرأي محل خلاف شديد، لأن السبحة ليست عبادة مستقلة، بل مجرد وسيلة لضبط الذكر.
أقوال العلماء حول حكم التسبيح بالسبحة
- الإمام السيوطي كان من القائلين بجواز التسبيح بالسبحة، بل رأى أنها “سنة حسنة”، حيث قال في كتابه “المنحة في السبحة”: “اتخاذ السبحة حسن، وكان كثير من السلف يفعلونه، ولم ينكره أحد منهم، بل أقرّوه وأرشدوا إليه”، كما استدل السيوطي بما ورد عن بعض الصحابة والتابعين أنهم كانوا يسبحون بالحصى أو النوى، معتبرًا أن السبحة امتداد لهذه الوسيلة.
-
الإمام النووي لم يرَ بأسًا في استخدام السبحة، بل أشار إلى أن التسبيح بأي وسيلة لا يتعارض مع الشريعة، لكنه أكد أن التسبيح بالأصابع أفضل، حيث قال في “المجموع شرح المهذب”: “التسبيح بالأنامل سنة، وأما التسبيح بالنوى والحصى فهو حسن، وقد فعله جماعة من الصحابة”.
-
ابن تيمية لم يحرم التسبيح بالسبحة، لكنه رأى أن التسبيح بالأصابع هو الأصل، لأنه سنة النبي ﷺ، حيث قال في “مجموع الفتاوى” (22/506): “وأما اتخاذ السبحة على غير الوجه المشروع، مثل الرياء والمباهاة، فهذا غير مشروع، وأما الاستعانة بها على الذكر فلا بأس به”.كما قال: “التسبيح المشروع بالأصابع، وأما التسبيح بالحصى أو النوى أو السبحة، فإن عدَّه بعض الصحابة، فقد رأى النبي ﷺ النساء يسبحن بالحصى وأقرهن، ولكن العد بالأصابع أفضل”.
-
الشيخ عبد العزيز بن باز أفتى بأن التسبيح بالسبحة جائز، لكنه خلاف السنة، حيث قال: “التسبيح باليد أفضل، وهو الذي كان يفعله النبي ﷺ، وإن سبح بالسبحة فلا حرج، لكنه خلاف السنة”.
-
الشيخ ابن عثيمين كان يرى جواز التسبيح بالسبحة، لكنه حذر من استخدامها للرياء أو المباهاة، فقال: “التسبيح بالسبحة لا بأس به، لكنه خلاف السنة، وإذا كان يخشى أن يكون رياءً أو تقليدًا للصوفية الذين يبالغون فيها، فيُترك”.
-
الشيخ ناصر الدين الألباني كان يرى أن التسبيح بالسبحة غير مشروع، بل هو بدعة محدثة، حيث قال: “الأولى تركها والتمسك بالسنة، والنبي ﷺ لم يسبح بها رغم أنه كان يسبح كثيرًا”، كما قال في “السلسلة الضعيفة”: “السبحة لم تكن من هدي النبي ﷺ ولا من هدي الصحابة، بل هي بدعة انتشرت لاحقًا”.
الرد على القائلين بالبدعة (هل السبحة بدعة؟)
يرد العلماء الذين يجيزون السبحة على من قال إنها بدعة، بأن البدعة المذمومة هي المحدثة في أصل العبادة، أما الوسائل المعينة على الطاعات فليست بدعة مذمومة مثل كتابة المصاحف، وبناء المنارات، وغير ذلك مما لم يكن في زمن النبي ﷺ لكنه مقبول في الدين.
أيهما أفضل التسبيح باليد أم السبحة؟
اتفق العلماء على أن التسبيح بالأصابع أفضل، لأن النبي ﷺ أرشد إليه، لكن إذا كان التسبيح بالسبحة يعين الشخص على كثرة الذكر، فهو جائز بل قد يكون مستحبًا، والمهم هو حضور القلب عند الذكر، وليس مجرد تحريك السبحة دون وعي.
حكم تعليق السبحة في الرقبة و حكم لبس السبحة في اليد أو جعلها للزينة
رغم أن السبحة وسيلة تُعين الذاكرين على استمرار تسبيحهم واستحضارهم لله عز وجل، إلا أن بعض الممارسات المرتبطة بها قد تتجاوز حدود الوسيلة إلى مظاهر لا أصل لها في الشريعة، فتعليق السبحة في الرقبة، أو حملها في اليد بقصد الزينة، أو اتخاذها شعارًا يدل على التدين والتصوف، كل ذلك يثير تساؤلات فقهية تتطلب تأصيلاً دقيقًا، فليس كل ما شاع بين الناس يصح شرعًا، ولا كل ما ارتبط بالذكر يعد محمودًا إذا خالف مقاصد الإخلاص والتواضع،لذلك ينبغي على المسلم أن يتحرى في عباداته ووسائلها موافقة السنة، وأن يحذر من مظاهر الرياء والتفاخر حتى في أدق التفاصيل؛ فإن الله لا ينظر إلى الصور، وإنما ينظر إلى القلوب وأعمالها.
في الشريعة الإسلامية ميزانًا دقيقًا يزن به العبدُ أعماله، فلا يُقبل من العبادة إلا ما كان خالصًا لله موافقًا لهدي نبيه ﷺ، ومن هذا المنطلق لا يُنظر إلى السبحة على أنها مجرد خرز يُعد به الذكر، بل تُنظر من حيث النية والغاية، فكم من شخص يحمل السبحة في يده لا يسبِّح بها، وإنما يتجمل بها أمام الناس، وكم من عبدٍ صالح لا يملك سبحة، لكنه يُحيي ليله ويده تلهج بذكر الله.
فالسبحة إن تحولت من وسيلة إلى مظهر، ومن معين على الطاعة إلى زينة يتفاخر بها العبد بين الخلق، فإنها تفقد قيمتها، بل قد تدخل في أبواب الرياء المحذَّر منه، ولذلك نجد أن كثيرًا من العلماء قد كرهوا اتخاذها زينة، واعتبروا ذلك ضربًا من التشبه بأهل البدع أو المظاهر، الذين يُظهرون التدين دون حقيقة قلبية وراءه.