عندما نقرأ القرآن نجد فيه لمسات إلهية تهذب النفوس وتصلح القلوب، وتوجه النبي صلى الله عليه وسلم والأمة كلها إلى أكمل الأخلاق وأحسن الآداب، ومن السور التي تحمل دروسًا بليغة في ذلك سورة عبس، تلك السورة التي تنزلت لتصحيح مفهوم عظيم عن الدعوة إلى الله والاهتمام بالمؤمنين، ولتوضح ميزان الله في المفاضلة بين الناس.
فما قصة نزول هذه السورة؟، ولماذا عاتب الله نبيه الكريم؟، وكيف يمكن أن نستفيد من معانيها في حياتنا؟، لنستكشف معًا تفسير هذه السورة بأسلوب يجعلنا نشعر كأننا نشهد أحداثها مباشرة.
سورة عبس
سورة عبس هي سورة مكية نزلت على النبي ﷺ في مكة المكرمة، وتتناول القيم الإيمانية وأدب الدعوة إلى الله، بالإضافة إلى مشاهد من يوم القيامة، وتأتي السورة في الترتيب الثمانين من سور المصحف الشريف، وتقع في الجزء الثلاثين (جزء عمَّ)، وهو الجزء الذي يركز على قضايا العقيدة والتوحيد واليوم الآخر بأسلوب قوي ومؤثر.
سورة عبس مكتوبة كاملة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
“عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ١ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ ٢ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ ٣ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ ٤ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ ٥ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ ٦ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ٧ وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ ٨ وَهُوَ يَخْشَىٰ ٩ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ ١٠ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ١١ فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ ١٢ فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ ١٣ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ ١٤ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ١٥ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ١٦ قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ١٧ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ١٨ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ١٩ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ٢٠ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ٢١ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ ٢٢ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ٢٣ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ ٢٤ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ٢٥ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ٢٦ فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ٢٧ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ٢٨ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ٢٩ وَحَدَائِقَ غُلْبًا ٣٠ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ٣١ مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ٣٢ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّآخَّةُ ٣٣ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ٣٤ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ٣٥ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ٣٦ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ٣٧ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ٣٨ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ٣٩ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ٤٠ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ٤١ أُو۟لَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ٤٢”
معاني بعض المفرادات الواردة بسورة عبس
عَبَسَ: قَبَضَ وجهه. يَزَّكَّىٰ: يتطهر.
يَذَّكَّرُ: يتَّعِظ. اسْتَغْنَىٰ: كثر ماله ولم يهتم بالحق.
تَصَدَّىٰ: تواجهه وتُقبل عليه. تَلَهَّىٰ: تتشاغل.
تَذْكِرَةٌ: موعظة وتبصرة. قُتِلَ: لُعِنَ.
قَدَّرَهُ: سوَّاه وَشَكَّلَه. السَّبِيلَ يَسَّرَهُ: سَهَّل أوامر الدين.
فَأَقْبَرَهُ: جعل له مدفنًا. أَنشَرَهُ: أحياه وبعثه.
لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ: لم يؤدِّ ما عليه. وَقَضْبًا: ما يُقطَع منه فينبت ثانية.
غُلْبًا: شجرها عظيم ملتف الأغصان. وَأَبًّا: ما تأكله الدواب.
الصَّآخَّةُ: صيحة تَصُمُّ الأُذُن. صَاحِبَتِهِ: زوجته.
مُّسْفِرَةٌ: مشرقة مسرورة. غَبَرَةٌ: غبار ودُخان.
تَرْهَقُهَا: تغشاها وتعلوها. قَتَرَةٌ: ذِلَّة وسواد.
سبب نزول سورة عبس
يروي العلماء أن سورة عبس نزلت بسبب موقف جرى مع النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان مشغولًا بدعوة كبار قريش إلى الإسلام، ومن بينهم عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن المغيرة، وكان يأمل أن يهتدوا لما لهم من مكانة في قريش.
وفي هذه الأثناء جاءه عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه، وكان أعمى، يطلب منه أن يعلمه مما علمه الله، فعبس رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه، وأعرض عنه.
وبالرغم من أن عبد الله ابن أم مكتوم رضي الله عنه لم يرَ العبوس والإعراض، إلا أن الله أنزل الوحي الإلهي يعاتب النبي صلى الله عليه وسلم عتابًا عنيفًا، ويبين له أن الله لا يزن الناس بالمظاهر، بل بالتقوى والإيمان، وهكذا جاءت السورة لتصحح هذا الموقف، وترسِّخ قاعدة مهمة في ميزان الدعوة إلى الله.
تفسير سورة عبس
تفسير الآيات (1-10)من سورة عبس (العتاب الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم)
“عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ١ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ ٢ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ ٣ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ ٤ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ ٥ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ ٦ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ٧ وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ ٨ وَهُوَ يَخْشَىٰ ٩ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ ١٠”
يعاتب الله في هذه الآيات نبيه الكريم على عبوسه في وجه عبد الله بن أم مكتوم، وجاء العتاب بأسلوب غائب، فلم يقل الله “عبست وتوليت”، بل قال: “عبس وتولى”، وهذا من شدة العتاب حتى يكون أوقع في النفس.
ثم يوضح الله أن هذا الأعمى كان أحق بالاهتمام، لأنه جاء راغبًا في الهداية، ساعيًا إليها، بينما هؤلاء القوم الذين كان النبي يحدثهم، كانوا متعاظمين بأنفسهم، مستغنين عن دعوته، وهنا درس عظيم أن الدعوة يجب أن تهتم بمن يطلبها بإخلاص، لا بمن يتكبر عنها.
تفسير الآيات (11-16) من سورة عبس (تعظيم القرآن وعلوه)
“كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ١١ فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ ١٢ فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ ١٣ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ ١٤ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ١٥ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ١٦”
تأتي هذه الآيات بعد العتاب لتعظيم القرآن، ونهى الله وعز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بكلمة زجر قوية هي (كلا) عن العودة لمثل هذا العبوس والإعراض، وسجل ذلك في آيات القرآن الكريم، فصارت تبصرة لكل عاقل يحفظ القرآن ويتدبره، فيتذكره ويعمل بهدايته.
وآيات القرآن الكريم محفوظة مُعظمة، عالية المنزلة؛ لأنها كلام الله عز وجل الذي عهد به إلى ملائكة كرام مُطيعين صادقين ينزلون بوحيه سبحانه وتعالى إلى رسله عليهم السلام
وهذه رسالة ضمنية أن من أراد الفلاح، فعليه أن يتلقى القرآن بتواضع، لا بكبر واستغناء.
تفسير الآيات (17-32) من سورة عبس (تذكير بنعم الله على الإنسان)
“قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ١٧ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ١٨ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ١٩ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ٢٠ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ٢١ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ ٢٢ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ٢٣ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ ٢٤ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ٢٥ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ٢٦ فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ٢٧ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ٢٨ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ٢٩ وَحَدَائِقَ غُلْبًا ٣٠ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ٣١ مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ٣”
يُذَكِّر الله الإنسان في هذه الآيات بأصله الضعيف، فقد كان نطفة مهينة، ثم خلقه الله وسواه، ثم يسر له طريق الحياة، حتى إذا مات جعل له قبرًا، ثم يبعثه يوم القيامة، ثم تأتي الآيات بذكر نعم أخرى مثل إنزال الماء وإنبات الزرع.
مع كل ما وهبه الله للإنسان ورغم ضعفه يُعرض عن الهُدى، ويستغنى عن الإيمان، ويستعلي على دعوة ربه، ولا يؤدي ما عليه لخالقه، ألا يرى عناية الله في كل مراحل حياته، ورغم كل هذا يكفُر ولا يشكُر.
إن الله يبعث البشر يوم النشور، ويسوقهم إلى الحساب، فيكتشف الإنسان أنه لم يتهيأ لهذا الموقف، ولم يفعل ما أُمر به، فلا هو شكر ربه عمليًا بأداء ما عليه كما ينبغي، ولا شكر الله عز وجل حق الشكر معنويًا بالشعوروالوجدان والامتنان، فتأتي الآيات رسالة لكل مغتر بنفسه أن يرجع إلى ربه.
تفسير الآيات (33-42) من سورة عبس (أهوال يوم القيامة)
“فَإِذَا جَاءَتِ الصَّآخَّةُ ٣٣ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ٣٤ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ٣٥ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ٣٦ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ٣٧ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ٣٨ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ٣٩ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ٤٠ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ٤١ أُو۟لَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ٤٢”
تصف الآيات يوم القيامة، حيث يفرّ الإنسان من أعز الناس إليه، وكل ما تربطه بهم رابطة، حتى من أبنائه وزوجته، فكل واحد منشغل بنفسه عندما تبدأ أهوال القيامة بالصيحة، فالنجاة يومها لا تكون بالعلاقات، بل بالأعمال، وفي الآيات تذكير عظيم لا تفرِّط في دينك لأجل الناس، فكل واحد سيحاسب وحده.
وليت الإنسان يدرك مبكرًا أن الأمر مسؤلية شخصية، فمن يدرك هذا، ويعمل بمقتضاه يجيء يوم القيامة بوجه مشرق مسرور، ومن كفر وانتهك حرمات الله عز وجل يصير وجهه يوم القيامة أسود عليه تراب ودُخان، وهذه نتيجة الوزن بالميزان الحق، ميزان الله عز وجل، ميزان التقوى والصلاح والالتزام بأوامر الله عز وجل.
الدروس المستفادة من سورة عبس
- ميزان الدعوة الحق، فليست الدعوة لأصحاب الجاه والسلطان فقط، بل لكل من يطلبها بصدق.
- التواضع مع الناس، فلا يجوز التكبر على أي شخص مهما كان بسيطًا، فالميزان عند الله هو التقوى.
- القرآن كتاب مقدس، وعلينا أن نأخذه بعزم، فهو نزل من عند الله وحمله الملائكة الكرام.
- تذكير الإنسان بضعفه، فمهما بلغ الإنسان من قوة، فهو مخلوق ضعيف بدأ من نطفة وسينتهي إلى قبر.
- ذكر أهوال يوم القيامة يكون تربية للنفس على الاستعداد لهذا اليوم، وعدم الانشغال بالدنيا على حساب الآخرة.
في الختام ، تعلِّمنا سورة عبس أن ميزان التفاضل عند الله ليس بالجاه أو المال، بل بالتقوى والسعي إلى الهداية، فهي تُذكِّرنا بضرورة التواضع في الدعوة، والاهتمام بمن يطلب الحق، مهما كان حاله، كما تأخذنا السورة إلى مشهد الآخرة، حيث تنقسم الوجوه بين مستبشرة وأخرى يغشاها الحزن، فتوقظ القلب وتحثّ على الاستعداد ليوم الحساب، فنسأل الله أن يجعلنا من الوجوه الضاحكة المستبشرة، وأن يرزقنا التوفيق في القول والعمل.
المصدر
تعليق واحد