شرح مبسط لحديث أُمرت أن أقاتل الناس…الأربعين النووية 8
حديث أُمرت أن أقاتل الناس والدروس المستفادة منه
حديث أُمرت أن أقاتل الناس هو الحديث الثامن من الأربعين النووية، ويُعد من الأحاديث التي أثيرت حولها تساؤلات كثيرة نظراً لما قد يبدو عليه من صرامة في ألفاظه عند قراءته لأول وهلة، ويحمل معاني عظيمة تتعلق بجوهر الدعوة الإسلامية وحدود القتال في الإسلام.
سنعرض في هذا المقال الحديث مع إسناده، ثم نشرحه شرحًا وافيًا مع توضيح الدروس المستفادة منه، والرد على الشبهات المتعلقة به، ليكون المقال مرجعًا شاملًا في هذا الموضوع.
نص حديث أُمرت أن أقاتل الناس وإسناده
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى” (رواه البخاري ومسلم).
الحديث من الأحاديث المتفق عليها، ويدل ذلك على صحته وقوته، حيث رواه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما، وهما أصح الكتب في رواية الأحاديث.
تحليل لغوي لبعض ألفاظ حديث أُمرت أن أقاتل الناس
“أمرت”: تعني أن هذا التكليف ليس اجتهادًا بشريًا، بل وحي من الله تعالى.
“أقاتل”: لا تعني القتل المطلق، بل المقصود بها رد العدوان وإزالة العقبات التي تمنع وصول الدعوة.
“حتى”: تفيد الغاية، أي أن القتال ليس هدفًا في ذاته، بل وسيلة لتحقيق حرية الدعوة.
“إلا بحق الإسلام”: أي أن الإسلام له أحكام تحمي حقوق الأفراد، فلا تُزهق أرواحهم إلا إذا ارتكبوا ما يوجب القصاص، كحدود القتل أو الردة.
شرح حديث أُمرت أن أقاتل الناس
يبدأ الحديث بعبارة “أمرت أن أقاتل الناس”، وفيها بيان أن النبي ﷺ إنما يأتمر بأمر الله، فهو لا يفعل شيئًا من عند نفسه، وإنما ينفذ الوحي، وقوله “أقاتل الناس” لا يعني قتلهم ابتداءً، بل المقصود هنا القتال ضد من يقف عائقًا أمام انتشار الإسلام، وليس القتال لأجل القتال ذاته.
والمقصود من الجهاد في الإسلام، وهو إزالة العوائق التي تمنع الناس من سماع كلمة التوحيد بحرية، وليس إجبارهم على اعتناق الإسلام، فالشهادة بأن “لا إله إلا الله” هي المدخل للإسلام، وهي إقرار بوحدانية الله تعالى، أما شهادة أن “محمدًا رسول الله”، فهي الإقرار برسالته ﷺ والالتزام بما جاء به.
يذكر الحديث بعد الشهادتين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهما من أهم أركان الإسلام العملية، فالصلاة هي الصلة بين العبد وربه، والزكاة هي حق المال الذي يُخرج لمستحقيه تطهيرًا للنفس والمال.
ويؤكد الحديث أن من دخل الإسلام وأقام فرائضه، فإنه يصبح في أمان، ولا يجوز الاعتداء عليه أو أخذ ماله، إلا في حالات نص عليها الشرع، كإقامة الحدود أو القصاص عند ارتكاب الجرائم التي تستوجب ذلك.
كما يؤكد الحديث أن الإسلام يحكم بالظاهر، وأن النيات ومحاسبة القلوب موكولة إلى الله وحده، فهو الذي يعلم السرائر، وهو الذي يحاسب العباد على ما يخفونه.
الرد على الشبهات حول حديث أُمرت أن أقاتل الناس
هل يدل الحديث على إجبار الناس على الإسلام؟
كثيرًا ما يُساء فهم هذا الحديث، فيظن البعض أنه يدل على أن الإسلام يُفرض بالقوة، لكن هذا فهم خاطئ، فقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (سورة البقرة، الآية 256)، وهذه قاعدة شرعية ثابتة.
إذن، كيف نوفق بين الحديث وهذه الآية؟
التفسير الصحيح أن القتال في الإسلام ليس لإجبار أحد على الدخول في الدين، وإنما لإزالة أي عائق يمنع الناس من سماع دعوة الإسلام بحرية، فالدعوة الإسلامية في بدايتها واجهت صدًا عنيفًا واضطهادًا شديدًا، وكان القتال مشروعًا لصد العدوان وليس لفرض الدين.
هل يشمل الحديث كل الناس؟
جاء الحديث بصيغة “أقاتل الناس”، لكن ليس المقصود بالناس هنا كل البشر، بل الكفار الذين يقاتلون المسلمين ويمنعون انتشار الإسلام، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ لم يجبر أهل الكتاب (اليهود والنصارى) على الإسلام، بل أقر لهم الجزية كخيار آخر ليعيشوا في ظل الدولة الإسلامية مع احتفاظهم بدينهم.
هل الإسلام انتشر بالسيف؟
بعض المستشرقين يروِّجون لفكرة أن الإسلام فرض نفسه بالقوة، لكن الأدلة التاريخية تثبت العكس، فانتشار الإسلام في جنوب شرق آسيا (إندونيسيا وماليزيا) كان عن طريق التجار المسلمين وليس عبر الفتوحات العسكرية، وبلال الحبشي وخباب بن الأرت وغيرهم دخلوا الإسلام رغم التعذيب، وذلك يدل على أنهم اقتنعوا بالدعوة دون إكراه.
لماذا لم يُجبر النبي أهل الذمة على الإسلام؟
أقر النبي ﷺ في وثيقة المدينة لليهود بحقوقهم، ولو كان يريد إجبار الناس على الإسلام لما عقد معهم المعاهدات، والقرآن الكريم صريح في منع الإكراه، كما قال تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة يونس، الآية 99).
هل الجزية تعني اضطهاد غير المسلمين؟
الجزية ليست عقوبة، بل هي مقابل الحماية التي توفرها الدولة الإسلامية لهم، حيث يُعفى أهل الذمة من التجنيد العسكري، ومقارنة بالضرائب الحديثة نجد أن الجزية كانت أقل تكلفة مما يدفعه المواطنون في الأنظمة الحديثة.
أقوال العلماء في شرح حديث أُمرت أن أقاتل الناس
لقد تناول العلماء هذا الحديث بالشرح والتفسير من زوايا متعددة، مؤكدين على أن فهمه يجب أن يكون في سياق النصوص الشرعية الأخرى.
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث: “معنى الحديث أن من قاتلنا وأراد صدَّ الدعوة، فإننا نقاتله حتى يرفع هذا الحاجز، وليس المعنى أن الإسلام يُفرض بالقوة، بل القتال لدفع العدوان ومنع الفتنة”.
ويرى ابن تيمية أن الحديث يشير إلى قتال المعتدين وليس قتل كل من لم يسلم، ويستدل بآيات القرآن التي تدعو إلى السلم وعدم الإكراه في الدين.
كما قال ابن حجر العسقلاني في “فتح الباري”: “المقصود بالحديث ليس قتل جميع الناس، بل هو مقيد بمن يعتدي على الإسلام، ويمنع دعوته، بدليل أن أهل الذمة لم يُجبروا على الإسلام”.
أمثلة تاريخية من حياة النبي ﷺ لفهم حديث أُمرت أن أقاتل الناس
لفهم الحديث بشكل أعمق يمكننا الرجوع إلى السيرة النبوية، حيث نجد أن النبي ﷺ تعامل مع غير المسلمين بطرق مختلفة وفقًا للحالة التي كان عليها المجتمع:
صلح الحديبية (السلم مقدم على القتال)
عندما عُرض على النبي ﷺ صلح الحديبية مع قريش، قَبِل به رغم أن بعض الشروط كانت تبدو غير منصفة، لكنه كان يدرك أن الدعوة تحتاج إلى السلام لنشر الإسلام.
معاملة النبي لأهل الكتاب
لم يُجبر النبي ﷺ اليهود والنصارى على الإسلام، بل أقر لهم حق الجزية ليعيشوا في الدولة الإسلامية دون تغيير دينهم، كما حدث مع يهود المدينة وأهل نجران.
فتح مكة (العفو عند المقدرة)
عندما دخل النبي ﷺ مكة فاتحًا، لم يُكره أهلها على الإسلام، بل قال لهم: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، ويدل ذلك على أن الهدف لم يكن القتل أو الإكراه، بل إزالة العقبات أمام الدعوة.
الدروس المستفادة من حديث أُمرت أن أقاتل الناس
-
الإسلام دين التوحيد، ويبين الحديث أهمية شهادة “لا إله إلا الله”، فهي الركن الأعظم الذي يقوم عليه الدين.
-
القتال في الإسلام ليس غاية، بل وسيلة، ولا يدعو الإسلام إلى العنف، بل يشرع القتال فقط للدفاع عن الدين أو إزالة العقبات التي تحول دون حرية الدعوة.
-
الإسلام يحكم بالظاهر، فلا يجوز الحكم على إيمان أحد إلا بناءً على أفعاله الظاهرة، أما النيات فهي موكولة إلى الله وحده.
-
أهمية الصلاة والزكاة، فالحديث يربط بين العقيدة والعمل، حيث أن الإسلام ليس مجرد اعتقاد قلبي، بل التزام عملي يشمل إقامة الصلاة وأداء الزكاة.
-
الحقوق محفوظة في الإسلام، فلا يجوز الاعتداء على دماء الناس وأموالهم إلا وفق أحكام الشرع.
-
حرية المعتقد مكفولة، فلا إكراه في الدين، لكن الإسلام يضع نظامًا يحفظ وحدة المجتمع الإسلامي، ويضمن حق الدعوة.
في الختام، حديث أُمرت أن أقاتل الناس من الأحاديث التي تحتاج إلى فهم متكامل في ضوء النصوص القرآنية والسيرة النبوية، وهو لا يدل على العنف أو الإجبار، بل يوضح ضوابط الجهاد في الإسلام، ويجب علينا فهم الحديث في سياقه الصحيح، بعيدًا عن التفسيرات المتسرعة أو المغرضة، فالإسلام دين السلام، لكنه لا يسمح بالعدوان أو الظلم، ويشرع القتال فقط لمنع اضطهاد الدعوة أو صد الناس عن سماع الحق، فنسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والفهم الصحيح لديننا، وأن يجعلنا من الذين يسعون لنشر الحق بالحكمة والموعظة الحسنة.
المصدر